ابن قيم الجوزية
173
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
وفي الحديث الآخر « اللهم اغفر لي ذنبي كله ، دقّه وجلّه . خطأه وعمده . سره وعلانيته ، أوله وآخره » . فهذا التعميم وهذا الشمول لتأتي التوبة على ما علمه العبد من ذنوبه وما لم يعلمه . التوبة من ذنب دون آخر وهل تصح التوبة من ذنب ، مع الإصرار على غيره « 1 » ؟ فيه قولان لأهل العلم . وهما روايتان عن الإمام أحمد . ولم يطلع على الخلاف من حكى الإجماع على صحتها . كالنووي وغيره . والمسألة مشكلة . ولها غور . ويحتاج الجزم بأحد القولين إلى دليل يحصل به الجزم . والذين صححوها احتجوا بأنه لما صح الإسلام - وهو توبة من الكفر - مع البقاء على معصية لم يتب منها . فهكذا تصح التوبة من ذنب ، مع بقائه على آخر . وأجاب الآخرون عن هذا بأن الإسلام له شأن ليس لغيره . لقوته ونفاذه ، وحصوله - تبعا بإسلام الأبوين أو أحدهما - للطفل . وكذلك بانقطاع نسب الطفل من أبيه ، أو بموت أحد أبويه في أحد القولين . وكذلك يكون بكون سابيه ومالكه مسلما ، في أحد القولين أيضا . وذلك لقوته ، وتشوف الشرع إليه . حتى حصل بغير القصد بل بالتبعية « 2 » . واحتج الآخرون بأن التوبة : هي الرجوع إلى اللّه من مخالفته إلى طاعته . وأي رجوع لمن تاب من ذنب واحد ، وأصر على ألف ذنب ؟ . قالوا : واللّه سبحانه إنما لم يؤاخذ التائب ، لأنه قد رجع إلى طاعته وعبوديته ، وتاب توبة نصوحا . والمصرّ على مثل ما تاب منه - أو أعظم - لم يراجع الطاعة . ولم يتب توبة نصوحا . قالوا : ولأن التائب إذا تاب إلى اللّه ، فقد زال عنه اسم « العاصي » كالكافر إذا أسلم زال عنه اسم « الكافر » وأما إذا أصر على غير الذنب الذي تاب منه فاسم « المعصية » لا يفارقه . فلا تصح توبته . وسر المسألة ، أن التوبة : هل تتبعض ، كالمعصية . فيكون تائبا من وجه دون وجه ، كالإيمان والإسلام ؟ والراجح : تبعّضها . فإنها كما تتفاضل في كيفيتها كذلك تتفاضل في كميتها . ولو أتى العبد بفرض وترك فرضا آخر ، لاستحق العقوبة على ما تركه دون ما فعله . فهكذا إذا تاب من ذنب وأصرّ على آخر ، لأن التوبة فرض من الذنبين ، فقد أدى أحد الفرضين وترك الآخر ، فلا يكون ما ترك موجبا لبطلان ما فعل ، كمن ترك الحج وأتى بالصلاة والصيام والزكاة .
--> ( 1 ) صحة التوبة : متوقفة على صدق العزم على الفرار إلى اللّه ، والرجوع إليه ، والتخلص من العدو . وهو أمر بين العبد وبين ربه قال تعالى : وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ وَيَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ ( 25 ) . ( 2 ) هذا في الإسلام الظاهر للمعاملات بين الناس - من الأنكحة ونحوها - أما الإسلام الحق . هو إسلام الوجه للّه : فشئ آخر لا يكون إلا بالعقيدة الصحيحة والعمل الصالح ، بالعلم الصحيح ، وتحري اتباع ما شرع اللّه ، والاقتداء بالرسول صلى اللّه عليه وسلم .